الهجوم النيوليبرالي على أنظمة التقاعد
خطوة أخرى لتصفية الحماية الاجتماعية للشغيلة
بعد توقيع ممثلي القيادات النقابية داخل اللجنة التقنية لإصلاح التقاعد على وثيقة " الإطارات المرجعية لإصلاح أنظمة التقاعد "، في أكتوبر 2005 ، يكون البنك العالمي و حكومة أرباب العمل المحليين قد نجحوا في كسب تأييد آخر لسياستهم النيوليبرالية من قبل بيروقراطية المركزيات النقابية. ويستعدون الآن للشروع في تنفيذ شوط آخر من الهجوم. سنحاول أن نكشف زيف الحجج الإيديولوجية الرئيسية التي يستند عليها الليبراليون المغاربة لشرعنة الهجوم . وسنوضح ، في سياق ذلك ، للشغيلة الوضع الحقيقي لأنظمة التقاعد بالتوزيع مبرهنين أن ما يتهددها متمثل في السياسة النيوليبرالية المطبقة. و نخلص في الأخير إلى ضرورة مقاومتها و فتح نقاش حول وضع مطالب تساهم في تقوية أسس نظام التقاعد بالتوزيع باعتباره يشكل جزء من الحماية الإجتماعية.
تعريف بمفهوم الحماية الإجتماعية
في غضون الحملة الأيديولوجية المرافقة للهجوم الليبرالي على أنظمة التقاعد بالتوزيع جرى طمس مفهوم الحماية الاجتماعية بالكامل من أجل إخفاء جوهر الهجوم الرامي في آخر المطاف إلى الإجهاز على معاش التقاعد بالتوزيع باعتباره أجرا غير مباشر. لذا يتوجب علينا استعادة وتوضيح جوهر هذا المفهوم.
يعني مفهوم الحماية الاجتماعية أن جزءا من الأجور (أجرا غير مباشرة) يؤدى من خلال التعويضات الاجتماعية الممولة بطريقتين ، إما بالاشتراكات الاجتماعية (اقتطاعات مفروضة على أرباب العمل والعمال) أو من خلال الخدمات العمومية الممولة عن طريق الضرائب. فبفعل المكاسب الطفيفة التي حققتها الطبقة العاملة يضطر أرباب العمل بالمغرب إلى تأدية جزء من أجور العمال حتى حين لا يستخدم هؤلاء قوة عملهم الفعلية في إنتاج القيم. و ما يسمح بقياس درجة الحماية الاجتماعية هي هذه الوضعيات :
<!--[if !supportLists]-->1 <!--[endif]-->يتوجب على رب العمل أن يؤدي الأجور أو جزءا منها خلال العطل السنوية و الأعياد.
<!--[if !supportLists]-->2 <!--[endif]--> ويؤدي أيضا جزء من الأجر عندما يصاب العمال بالأمراض أو حوادث الشغل أو أتناء الحمل والولادة.
<!--[if !supportLists]-->3 <!--[endif]--> كما يتوجب على رب العمل أن يعوض قسما من الأجرة التي يصرفها العامل لإعالة أطفاله (التعويضات العائلية).
<!--[if !supportLists]-->4 <!--[endif]--> و أن يؤدي جزءا من الأجر عندما يتوقف العامل نهائيا عن العمل للتقاعد.
ليس هذا وحسب ، إن أرباب العمل ملزمون بالمساهمة في ميزانية الدولة عن طريق الضرائب. أي أنهم يساهمون جزئيا في تحمل تكاليف الخدمات العمومية كالتعليم والصحة ... إلخ لأبناء العمال.
يسعى الهجوم النيوليبرالي إلى الحد من إلزامية أداء جزء من الأجر خلال الوضعيات المذكورة أعلاه. و هنا يتكامل الهجوم على التقاعد بالتوزيع مع الهجوم على الخدمات العمومية و مع إعادة نظر في الحد الأدنى للأجور.
إن مفهوم الحماية الاجتماعية يضمن الحق في المعاش باعتباره جزءا من الأجر . وهذا يفسر لماذا حرص جميع الليبراليين على طمسه.
نقاش المبادئ التي يقوم عليها كل من نظامي التوزيع و الرسملة: نظام التقاعد بالتوزيع يضمن أجرا غير مباشر للعمال
أحدى الأساليب التي لجأت إليها الدولة و كل المنابر الإعلامية الليبرالية في سياق الهجوم الأيديولوجي هي الخلط بين كل من نظام التقاعد القائم على التوزيع وذاك القائم على الرسملة. مما حدا بهم إلى جمع كل صناديق التقاعد رغم تناقض مبادئ التسيير التي تقوم عليها في سلة واحدة. وبعد ذلك أخذوا يطلقون الأحكام عن " أزمة صناديق التقاعد " و وجه أغلبهم الاتهام مباشرة إلى نظام التقاعد بالتوزيع باعتباره المسؤول. يرجع سبب الخلط المذكور إلى ترويجهم لمفهوم غير دقيق يعمل على إخفاء جوهر التمايز بين نظام التوزيع ونظام الرسملة (و إلى غياب نقاش على التقاعد). فهم يكتفون عادة بتعاريف تقنية لا تصل إلى جوهر الاختلاف بينهما.
يجب التمييز بين نموذجين كبيرين لأنظمة التقاعد : يقوم نظام التقاعد بالتوزيع على مبدأ التضامن بين العاملين وغير العاملين، إذ يتم اقتطاع الاشتراكات من أجور الناشطين ليتم بواسطتها تأدية معاشات المتقاعدين . لا وجود هنا للإدخار، إذ بمجرد ما تستخلص الاقتطاعات توزع على المتقاعدين. بالنسبة لنظام الرسملة ، المعاش عبارة عن عائــــــد مالــي يتأتى من الإدخار الذي راكمه العمال طوال مشوارهم في العمل. لا وجود لمبدأ التضامن هنا ، إذ أن مستوى المعاش يتوقف على مبلغ ما ادخره كل فرد و بأي نسبة للمردودية جرى توظيف رصيده في السوق المالية. أي أن المعاش ، في هذه الحالة، يصبح ريعا ماليا مصدره السوق المالية. أما بالنسبة لنظام التقاعد القائم على التوزيع فالمعاش يعد في جوهره أجرا غير مباشر لأن مصدره الاشتراكات الاجتماعية ، أي الأجور.
لكن لماذا يؤيد أرباب العمل نظام التقاعد بالرسملة ؟ هم مدافعون عن توسيع تطبيقه لأن ذلك سيساهم في الحد من ارتفاع معدل الاشتراك ، وبالتالي رفع أرباحهم. وعندما سيتوسع هذا النظام بالفعل سيكون بوسعهم فرض تخفيض هذا المعدل.
استنادا على هذا التمييز ،هناك صندوقان للتقاعد بالمغرب يشتغلان بنظام بالتوزيع بشكل خالص ،هما الصندوق المغربي للتقاعد والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لأن مصدر معظم مداخيلهما تأتي من الاشتراكات الاجتماعية ، أي الأجور. أما الصندوقان الرئيسيان المتبقيان ( النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد و الصندوق المهني المغربي للتقاعد ) فيقومان على نظام مختلط يجمع بين تقنية التوزيع و الرسملة : بالنسبة للصندوق المهني المغربي للتقاعد تسير نصف الإشتراكات الاجتماعية (مساهمات أرباب العمل) بنظام الرسملة والنصف المتبقي (اشتراكات العمال) بنظام التوزيع. أما بالنسبة للنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد فتسير ثلثي (3/2) الإشتراكات بنظام الرسملة ، فيما يسير الثلث المتبقي بالتوزيع.
يحتكر نظام التوزيع في سنة 2004 حوالي 85% من مجموع الذين يؤدون الاشتراكات بالصناديق الأربعة الرئيسية للتقاعد ، في حين يغطي الصندوقان المسيران بنظام مختلط (رسملة / توزيع) أقل من 16% فقط. وبما أن أغلبية الشغيلة تغطى ، إذن ، من لدن كل من الصندوق المغربي للتقاعد والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي فسنركز في نقاشنا لمختلف جوانب الإصلاح الليبرالي ، خاصة ما تعلق بتفنيد الحجج المستند عليها ، على وضعية هاذان الصندوقان.
<!--[if !supportLists]-->I.<!--[endif]-->نقاش حجج الليبراليين
يرتكز الليبراليون في خوضهم لمعركتهم الإيديولوجية ضد نظام التقاعد بالتوزيع على ثلاثة حجج أساسية هي : حجة تدهور النسبة الديمغرافية لصناديق التقاعد و حجة سخاء أنظمة التقاعد ، وأخيرا حجة فعالية نظام الرسملة. وسنقوم بدحضها الواحدة تلو الأخرى:
أولا : أي تهديد ديمغرافي يواجه صناديق التقاعد بالتوزيع ؟
يدعي الليبراليون أن النسبة الديمغرافية (نسبة المتقاعدين إلى العاملين) لصناديق التقاعد في تدهور مستمر متهمين بذلك صراحة نظام التوزيع ، ليستنتجوا " ضرورة الإصلاح قبل فوات الأوان ". لكن و خلافا لكل ادعاءاتهم الليبراليين تبدوا النسبة الديمغرافية لصندوقي التقاعد بالتوزيع بالمغرب جيدة جدا خلال سنوات 2002 و 2003 و 2004 (1). فقد بلغت النسبة الديمغرافية بالنسبة لأكبر صندوق للتقاعد ( يغطي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في سنة 2004 أكثر من 52% من العدد الإجمالي للمنخرطين) في سنة 2004 7,45% ، في حين تصل هذه النسبة إلى 6,48% بالنسبة للصندوق المغربي للتقاعد إذا لم نحتسب عدد المشتركين في نظام المعاشات العسكرية. مبدئيا لا يجب أن يدمج العسكريون وأفراد القوات المساعدة في الصندوق المغربي للتقاعد، لأن هذه الفئات لا تنتمي للطبقة العاملة، وبالتالي لا يفترض أن تستفيد من تضامن الشغيلة معها في تحمل معاشاتها.إن أرباب العمل حصرا هم من يجب أن يتحمل معاشات عساكرهم. حاليا يتكبد الموظفون ؛ عبر نظام المعاشات المدنية ؛ العجز المالي لنظام المعاشات العسكرية(2 ). و بذلك فإن الطبقة العاملة هي من يؤدي جزءا من معاشات العسكريين ، نيابة عن طبقة أرباب العمل و دولتهم !
تنطلق اللجنة التقنية لإصلاح أنظمة التقاعد من افتراض توظيف 12 ألف نشيط سنويا ، لتستنتج بالنسبة للصندوق المغربي للتقاعد: " تقهقر النسبة الديمغرافية حيث ستصل في أفق سنة 2025 إلى ناشط واحد مقابل متقاعد واحد ، وذلك بسبب ارتفاع عدد المتقاعدين ( +1,46% سنويا ) ، وتراجع عدد النشيطين ( -1,22% سنويا ) ". لماذا يلزمنا تقرير اللجنة التقنية على الانطلاق من قاعدة تشغيل 12 ألف موظف سنويا ؟ فهذا العدد لا يكفي حتى لملأ المناصب التي يتركها المحالون على التقاعد ! الذين بلغ عددهم أكثر من 20 ألف سنة 2003.
تساير اللجنة التقنية لإصلاح أنظمة التقاعد سياسة الدولة الرامية إلى تقليص عدد المناصب بالوظيفة العمومية، بينما المطلوب هو رفع عدد العاملين . أولا لتعويض المناصب الشاغرة نتيجة الإحالة على التقاعد ، ثم ثانيا لسد الخصاص المريع على مستوى التأطير بالنسبة للخدمات العمومية ، من صحة و تعليم و غيرها. إن الوصفات الليبرالية التي تطبقها الدولة هي ما سيساهم ، بكل تأكيد ، في تدهور النسبة الديمغرافية للصناديق مستقبلا ويفقدها توازنها الحالي .
أما بالنسبة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي فتدعي اللجنة التقنية بتراجع النسبة الديمغرافية إلى 3,3% في أفق 2041 عوض8% حاليا ، بدون أن تدلي بتفسير لهذا التراجع ! نشكك في مصداقية هذا الافتراض ، لأنه لا يبدو أنه مستند على معطيات الواقع. ففي سنة 2003 على سبيل المثال ، أحيل على التقاعد 14851 عامل ، في حين التحق بالعمل 121423 عامل ليرتفع العدد في سنة 2004 إلى 140695 عامل .
عدد ذوي المعاشات الجدد بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي
السنوات
عدد المنضمون الجدد
متقاعدون ، زمانة ، ذوي الحقوق
2002
104201
15432
2003
121423
14851
2004
140695
تجب الإشارة إلى أن عدد المنضمين الجدد لنظام الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي لا تتعلق إلا بالمصرح بهم من لذن أرباب المقاولات ، وندرك أنهم يخفون العدد الحقيقي للعمال. وهذا الأمر يجعلنا نعتبر أن النسبة الديمغرافية قد تكون ، في الواقع ، أعلى من تلك التي أدلت بها اللجنة التقنية (التي تحصر النسبة الديمغرافية حاليا في 8%) . كما أن أرقام ذوي المعاش نسبية، لأن نسبة هامة من ذوي المعاش يشكلها ذوي الحقوق الذين يستفيدون من معاشات تقل بحوالي النصف مقارنة بمعاشات المتقاعدين .
ولدعم حجتهم الرئيسية المتمثلة في إدعاء فقدان التوازن الديمغرافي لأنظمة التقاعد، يحاول الليبراليون الإستناد إلى حجة ثانوية تعتمد على تحولات ديمغرافية مستقبلية سيعرفها المجتمع المغربي و المتمثلة في ارتفاع طفيف في نسبة المسنين ، مقابل انخفاض نسبي في نسبة الشباب نظرا لتراجع معدل الخصوبة.
تبرز بالفعل نتائج الإحصاء الأخير للسكان ( لسنة 2004) انخفاض معدل الخصوبة (أي عدد الأطفال لكل امرأة في سن الإنجاب ) من 2 ,5 طفل للمرأة الواحدة إلى 2,2 في سنة 2010 ، ثم إلى طفلان لكل امرأة في سنة 2050 . لكن ، مع ذلك ، لن يؤثر انخفاض معدل الخصوبة على المدى البعيد على التوازن الديمغرافي لأنظمة التقاعد بالتوزيع نظرا لعاملين :
أولا : تراجع معدل الوفيات ، خاصة نسبة وفيات الأطفال من 14,9% في سنة 1962 إلى 3,6% في سنة 1997 ، نظرا للتحسن النسبي للولوج إلى الخدمات الصحية.
ثانيا : ارتفاع الهجرة القروية نحو المدن، حيث يؤدي تبلتر شرائح واسعة من الفلاحين إلى ارتفاع نسبة التمدن ، وبالتالي ارتفاع معدل الناشطين. وهكذا عوض انخفاض معدل الخصوبة والإرتفاع الطفيف في نسبة الشيخوخة (من 7,1% في سنة 1994 إلى 8,1% في سنة 2004) بارتفاع فئة السكان الناشطين من 55,9% إلى 61,2% .
ثانيا : هل أنظمة التقاعد بالمغرب سخية ؟
في مسعاه لتبرير هجومه على أنظمة التقاعد بالتوزيع ، استعمل البنك العالمي حجة سخاء المعاشات الممنوحة للمتقاعدين باعتباره أحد العوامل الرئيسية في تدهور التوازن المالي لأنظمة التقاعد بالمغرب. فقد صرح دنيس شابو أحد خبراء البنك العالمي : " يشكل سخاء نظام التقاعد أحد العوائق أمام استمراره، يتجلى السخاء من الناحية المالية بأن بعض الأنظمة كالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي غير قابلة للاستمرار على المدى الطويل" (3).
استعار الحجة أجهزة الدولة المكلفة بتنفيد إصلاح أنظمة التقاعد ، ومن بينها مديرية التأمينات و الاحتياط الاجتماعي (التي أدمجت الحجة في وثيقة "سيناريوهات لإصلاح أنظمة التقاعد" لتوجيه أعمال المناظرة الوطنية حول التقاعد) واللجنة التقنية لإصلاح التقاعد ومدراء الصناديق ، مستعينين بكامل الصحافة الليبرالية.
استهدف الهجوم صندوقا التقاعد بالتوزيع بالمغرب ، أي الصندوق المغربي للتقاعد والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي :
الصندوق المغربي للتقاعد : يركز الليبراليون سهام نقدهم ، بالنسبة للصندوق المغربي للتقاعد ، على مسالة تصفية المعاش على أساس آخر أجرة ، باعتباره يمثل سخاء لا يطاق : "من الحماقة الاستمرار في تصفية المعاش على أساس آخر أجرة (4) . كما يستنتج تقريري اللجنة التقنية لإصلاح التقاعد (التي تضم في عضويتها ممثلي القيادات النقابية) : " من بين العوامل المساهمة في تدهور وضعية النظام ، تصفية المعاشات على آخر أجر".
هذه الحجة باطلة، يكفي لدحضها أن نستعرض الكيفية التي يصفى بها المعاش : حافظت الدولة منذ الخمسينات على تقسيم أجرة الموظفين إلى راتب أساسي ومكملات الأجرة. وكلما اضطرت للزيادة في الأجور ، كانت تقوم بذلك عن طريق شق مكملات الأجرة على شكل تعويضات دائمة إلى أن أصبحت ، في نهاية الأمر، تفوق الشق الأول ، أي الراتب الأساسي .
قامت الدولة بهذا الإجراء لمجرد أن تتهرب من أداء مساهماتها بناء على كامل الأجرة (مادام القانون يلزم بأداء المساهمات والاشتراكات وفقا للراتب الأساسي فقط) حارمة الصندوق من مداخيل مهمة، بل أدت إلى انخفاض مستوى معاشات المتقاعدين ، لأن المعاش يصفى على أساس الراتب الأساسي الذي كان يبلغ 50% تقريبا من الأجرة. ورغم أن الصندوق يضمن للموظفين الذين قضوا 40 سنة في الخدمة معاشا كاملا (أي 100% من آخر أجرة) ، وهذا من إيجابياته ، إلا أن المتقاعدين كانوا يحصلون ، في الواقع ، على معاشات تقل كثيرا عن مبلغ آخر أجرة (قد يصل المعاش في بعض الأحيان إلى نصف أخر أجرة !).
لقد استمر هذا الوضع طيلة 34 سنة ، إلى أن أدخل تعديل على نظام المعاشات المدنية في فاتح يناير 1990 (قانون رقم 89.06) و الذي أدمج 50% من مبلغ التعويضات الدائمة (باستثناء التعويضات عن المصاريف و عن التعويضات العائلية) في وعاء الاقتطاع، وبالتالي قاعدة احتساب المعاش. لكن ،مع ذلك ، استمر الحيف اتجاه المتقاعدين إلى غاية سنة 1997 حيث أدخلت الدولة ، أخيرا ، مجموع التعويضات الدائمة(باستثناء التعويضات العائلية).
أما المتقاعدون السابقون فلم يستفيدوا من التعديلات الجديدة، إذ استمروا في تلقي معاشاتهم الهزيلة، رغم أن التعديل أدخل مبدأ رجعية تطبيق الإجراءات الجديدة في احتساب المعاش (وذلك لسبب بسيط هو أنه لا يستطيع دفع الاشتراكات غير الأشخاص الناشطين ! تفسير قدمه مدير الصندوق) ، وهو ما فاقم التمايز بين المتقاعدين. هذا ما اعترف به محمد بندريس مدير الصندوق: " إننا نشهد حاليا عدة فئات من المتقاعدين ".
ويمكننا أيضا أن تثبت غياب " سخاء الصندوق المغربي للتقاعد " بالتأكيد على أن الدولة لم تعمل على التطبيق الفعلي لمبدأ إعادة تقدير قيمة المعاشات تبعا لتطور الأجر. ومن المعلوم أن هذا المبدأ يعد أحد المبادئ الأساسية لأي نظام للتقاعد بالتوزيع . وقد أكدت عليه أنظمة قوانين الصندوق نفسه (يسمى بالزيادة في المعاشات ، الفصل 2-44 ). لكن عوض ربط المعاشات بتطور الأجرة الكاملة للموظفين ، يتم الاكتفاء بربطها بالراتب الأساسي فقط ، أي أن قيمة المعاش لن ترتفع إلا إذا ارتفع الراتب الأساسي. و طالما أن الدولة اعتادت طيلة عقود على رفع مبلغ التعويضات الدائمة، وليس المرتب الأساسي (حتى تتملص من أداء المساهمات على كامل الأجرة، بالإضافة إلى تقليص قاعدة احتساب المعاش) ، فقد كانت في الواقع تعمل في نفس الوقت على التجميد الجزئي لتطبيق مبدأ إعادة تقدير قيمة المعاشات.
ولذلك لا يمكننا ، مطلقا ، أن نتحدث عن " سخاء معاشات التقاعد للصندوق المغربي للتقاعد ".وهذا ما يثبته متوسط المعاش الذي بلغ في سنة 2004 حوالي 1634 درهم شهريا فقط . و فضلا على أن هذا المتوسط يخفي الفروق الواسعة بين المعاشات ، فإنه يظل بعيدا من " آخر أجرة للموظفين" التابعين للصندوق. كما أنه أقل انخفاضا حتى من الحد الأدنى للأجور بقطاع الصناعة والتجارة والخدمات !
الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي : بلغت جرأة الليبراليين حدا لا يصدق ، عندما يصفون معاشات التقاعد التي يمنحها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بالسخية، وذلك يدل إلى أي مدى أعماهم مسعاهم للتغطية عن الهجوم الرامي إلى نسف أنظمة التقاعد بالتوزيع بأي ثمن ! فاللجنة التقنية لإصلاح أنظمة التقاعد تعتبر أن من بين العوامل المساهمة في "تأزم" نظام الصندوق : " بإمكان ... المنخرطين اكتساب 50% من التعويض في غضون 10,38 سنوات فقط من الانخراط " ، كما تعتبر احتساب المعاش على أساس معدل أجور 8 سنوات الأخيرة من الخدمة (كانت محددة سابقا في 3 أو 5 سنوات، حيث يختار الصندوق متوسط أجور السنوات الأفيد للعامل ، قبل أن تمدد إلى 8 سنوات في 2004) قليلة وتؤدي بدورها إلى سخاء النظام.
يبلغ متوسط مختلف التعويضات (تقاعد ، زمانة ، ذوي الحقوق) التي يتلقاها ذوي المعاش في سنة 2004 بحوالي 1358 درهم شهريا .وقبل هذا التاريخ كان هذا المتوسط أدنى بكثير . فقد أورد تقرير المكتب الدولي للعمل أن متوسط المعاش الشهري الذي يستفيد منه متقاعدوا الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بلغ 517 درهم في سنة 1994 ، غير أن هذا المتوسط يخفي حقيقة أن نصف المعاشات الموزعة على المتقاعدين قبل سنة 1996 كانت أدنى من 500 درهم. وبعد هذا التاريخ حدد المبلغ الأدنى القانوني لمعاش التقاعد في 500
كتبها فاطمة مداح في 10:17 مساءً ::
